محمد جواد مغنية
28
في ظلال نهج البلاغة
المعنى : ( أنشأ الخلق انشاء ، وابتدأه ابتداء ) . المراد بالخلق هنا الكون ، وانشأه وابتدأه بمعنى أوجده على غير مثال سابق ، وأثبت علماء الطبيعة بالتجربة أن العالم حادث ، ويأتي البيان عند المناسبة . . واللَّه أوجد الكون أول ما أوجده من لا شيء ، وإلا فأي فرق بينه وبين من يصنع شيئا من أشياء ، وأشياء من شيء ، وإذا لم يكن للعالم من قبل عين ولا أثر فمن أين يأتي المثيل والنظير ( بلا روية أجالها ، ولا تجربة استفادها ، ولا حركة أحدثها ، ولا همامة نفس اضطرب فيها ) . هذه الأوصاف الأربعة كلها للمخلوق . . ولذا نفاها الإمام ( ع ) عن الكمال الذاتي المطلق . . فالروية عملية تفكير وتأمل لاستخراج مجهول من معلوم ، ومثلها التجربة بإضافة الرؤية إلى الروية ، وبكلمة أوضح : الروية عقل ، والتجربة حس ، وكل منهما طريق ووسيلة إلى المعرفة ، والحركة من لوازم الجسم ، ولا دافع على الاهتمام بالشيء إلا الحرص على المنفعة والخوف من فقدها وزوالها . . واللَّه قادر وعالم وغني بالذات ، لا بالأوصاف ، وبما هو لا بالوسائل ، يحيط بكل شيء ، غني عن كل شيء ، وله المثل الأعلى ، لكماله الذاتي المطلق من كل وجه . ( أحال الأشياء لأوقاتها ) . إذا اختار اللَّه أمرا فإنما يختاره لحكمة بالغة ، ولمصلحة تعود على الخلق ، لا عليه ، جلت عظمته ، فإذا اقتضت المصلحة وجود شيء في وقت معين أوجده سبحانه فيه ، لا يتقدم عليه ، ولا يتأخر عنه . . ولا مانع في حكم العقل ان تتعلق الإرادة الأزلية بإيجاد الحوادث في أوقاتها الخاصة ، ما دامت على ما هي قبل الحادث وبعده . . وتجدر الإشارة إلى أن قول الإمام : « لأوقاتها » يومئ إلى أن العالم لم يخلق دفعة واحدة بل على التدريج أو التطور ، وأن كل شيء يستند في وجوده واستمراره إلى إرادته تعالى مباشرة أو بواسطة ما خلق وسبّب من الأسباب ، وان الطبيعة أو البيئة هي عامل يكيف الشيء الموجود ، ولا يخلقه ويوجده . . وبهذا شهدت تجارب علماء الطبيعة ، وقد ذكر أحمد أمين العراقي أقوالهم في ج 2 من كتاب « التكامل في الاسلام » ص 103 طبعة 3 . ( ولأم بين مختلفاتها ، وعرّز غرائزها ، وألزمها أشباحها ) . في الكون عوالم وعناصر متعددة ومختلفة في جوهرها ووظائفها ، فالروح - مثلا - غير البدن